ابن ظهيرة

29

الجامع اللطيف

بمكة إلى الكعبة ، فلما هاجر إلى المدينة أمره اللّه تعالى أن يصلى نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم بما يجدون من نعته في التوراة ، فصلى إليها ستة عشر شهرا أو سبعة عشر ، وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة لأنها كانت قبلة إبراهيم . وقال مجاهد : كان يحب ذلك من أجل أن اليهود كانوا يقولون : يخالفنا ويصلى إلى قبلتنا ، فقال صلى اللّه عليه وسلم لجبريل : وددت لو حولني اللّه إلى الكعبة ، فقال له سل ربك . فجعل صلى اللّه عليه وسلم يديم النظر إلى السماء فأنزل اللّه تعالى : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ( سورة البقرة : 144 ) الآيات . انتهى بنصه . وما جزم به البغوي من أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يصلى بمكة إلى الكعبة هو المعتمد وعليه أكثر المفسرين وأصحاب السير . مطلب : المختار أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يكن متعبدا بشرع من قبله بعد البعثة واختلف العلماء هل كان ذلك باجتهاد أو بأمر من ربه ؟ وهذا تفريع على الأصح من أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يتعبد بشرع غيره بعد البعثة . ومن ذلك قوله تعالى في سورة المائدة : وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ ( سورة المائدة : 2 ) أي لا تحلوا من قصده من الحجاج والعمار ، وإحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها ، قاله النسفي . أقول : وتوجيهه أن المتنسكين إنما أرادوا تعظيم هذا البيت المشرف وجزيل الثواب ، وفي الإحالة إبطال ذلك ، واللّه الموفق . وفي « تفسير الكواشى » : وَلَا آمِّينَ أي ولا قتال قاصدين البيت ، فإن قيل : هذا عام في المؤمنين والمشركين أم انتسخ الحكم في حق المشركين ؟ فالجواب أنه منسوخ بقوله تعالى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ( سورة التوبة : 5 ) وبقوله : فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا ( سورة التوبة : 28 ) وهو المشهور .